في كل عام تتحول نتيجة الثانوية العامة في مصر إلى حدث استثنائي يكاد يوقف أنفاس ملايين الأسر ،وكأن مستقبل الإنسان كله يتحدد في أرقام قليلة تكتب على ورقة امتحان وكأن الحياة لا تمنح فرصة أخرى ولا تعترف إلا بما يسمى كليات القمة.
هذا المشهد لم يعد يتناسب مع عالم يتغير بسرعة مذهلة ولا مع ثورة علمية يقودها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والرياضيات وعلوم البيانات والبرمجة والبحث العلمي، بينما ما زلنا نحن ندور في دائرة قديمة عنوانها طبيب أو مهندس وكأن بقية التخصصات خلقت للفاشلين
السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس كم حصل الطالب في الثانوية العامة بل ماذا يستطيع أن يقدم بعد عشر سنوات وهل يمتلك القدرة على الإبداع والابتكار والتعلم المستمر لأن العالم لم يعد يقيس الإنسان باسم الكلية التي تخرج فيها بل بما يضيفه إلى المعرفة والاقتصاد والحياة
أتذكر عندما كنت في ألمانيا وشهدت إضراب العاملين في رياض الأطفال وكيف كادت الحياة اليومية تتوقف لأن الأب والأم يعملان ومن يرعى الأطفال إذا أغلقت الحضانات وقتها خرجت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في خطاب متلفز متأثرة وهي تتحدث عن أهمية هؤلاء المعلمين وقيمة دورهم في المجتمع حتى إن رواتب معلمي رياض الأطفال أصبحت تعادل رواتب أساتذة الجامعات في رسالة واضحة أن كل مهنة تبني الإنسان تستحق الاحترام وأن قيمة العمل لا تحددها نظرة اجتماعية قديمة
في مصر ما زلنا نصنع وهما اسمه كليات القمة بينما التاريخ نفسه يكذب هذه الفكرة
جمال حمدان كان من أوائل الثانوية العامة ومع ذلك اختار كلية الآداب قسم الجغرافيا فأصبح واحدا من أعظم المفكرين في تاريخ مصر وقدم موسوعة عبقرية المكان التي ستظل مرجعا للأجيال
أنيس منصور الأول على الثانوية العامة التحق بكلية الآداب قسم الفلسفة وأصبح واحدا من أشهر الكتاب والمفكرين وكان يتحدث عدة لغات منذ سنوات دراسته الأولى
الدكتور أحمد زويل لم يكن طبيبا بل خريج كلية العلوم ثم أصبح أحد أعظم علماء العالم وحصل على جائزة نوبل وغير مفاهيم العلم في الكيمياء والفيزياء وتطبيقاتهما الطبية والتكنولوجية
وفاروق الباز خريج كلية العلوم أصبح أحد أبرز علماء الفضاء في وكالة ناسا وشارك في أهم البرامج العلمية المتعلقة باستكشاف القمر والأرض
ونجيب محفوظ درس الفلسفة ولم تمنعه كليته من أن يصبح أول عربي يحصل على جائزة نوبل في الأدب وأن يكتب اسمه في تاريخ الإنسانية
هذه النماذج تؤكد حقيقة واحدة وهي أن الإبداع لا يسكن كلية بعينها بل يسكن عقل الإنسان وإرادته وشغفه بالعلم
للأسف ما زالت بعض الأسر تقيس نجاح أبنائها بالكلية لا بالإنجاز وما زال المجتمع يضغط على الطلاب وكأن الحياة تتوقف عند بوابة الطب والهندسة بينما العالم يبحث اليوم عن علماء الذكاء الاصطناعي ومهندسي البرمجيات وخبراء الأمن السيبراني وعلماء البيانات والرياضيات التطبيقية والروبوتات والطاقة والتكنولوجيا الحيوية
الدول التي سبقتنا لم تحقق تقدمها لأنها أنشأت كليات قمة بل لأنها احترمت كل تخصص يحتاجه المجتمع وربطت التعليم بسوق العمل والبحث العلمي والإبداع
أما نحن فما زلنا نصنع موسما سنويا للقلق والبكاء والفرح والحزن اسمه الثانوية العامة وننسى أن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد النتيجة لا قبلها وأن الشهادة قد تفتح الباب لكن النجاح لا يصنعه إلا الإنسان
لقد آن الأوان أن نغير ثقافة المجتمع قبل أن نغير المناهج وأن نعلم أبناءنا أن قيمة الإنسان فيما يبدعه لا فيما يكتبه مكتب التنسيق وأن المستقبل لن يكون للأكثر حفظا بل للأكثر قدرة على التفكير والابتكار وصناعة المعرفة،،!!